حين تسقط أخلاق الرجال تضيع كرامة المرأة!

رواها 360 عدن اسماعيل الصنوي
مجتمع يربي ابنه على أن الرجولة سيطرة وابنته على أن الأنوثة طاعة، مجتمع تافه وعقيم ولا تقوم له قائمة. مجتمع يصنع الجلاد والضحية منذ الصغر، ينشئ جيلاً وحشياً مستبداً لا يؤمن بالحقوق ومتجرداً من الإنسانية. فيه لا يولد الأطفال أحراراً، بل يولدون أدواراً جاهزة: هذا سيد، وهذه أمة. هذا قوام، وهذه متاع. هذا صوته مسموع، وهذه صوتها عورة. هكذا تبدأ المأساة، وهكذا تتوارث الأجيال لعنة القهر، حتى تصير الجريمة عادة، والوجع قدراً. في هذا المجتمع، تتعلم الطفلة منذ أن تدرك الدنيا أن جسدها ليس ملكها. تتعلم أن رغبتها لا قيمة لها، وأن حلمها ترف، وأن كلمتها نشوز. تتعلم أن أبيها وليها ويعرف مصلحتها أكثر منها، وأن زوجها له حق تأديبها، وأن القاضي سيصدق الرجل دائماً لأن “الرجال قوامون على النساء” تحولت في العقول من تكليف إلى تسلط، ومن مسؤولية إلى استعباد. ثم تكبر الطفلة، فإذا بها أماني. تقف على السطح لا لأنها تريد الموت، بل لأن الحياة التي منحوها إياها لا تشبه الحياة. زوجت غصباً، وضربت بلا رحمة، وحوكمت على هروبها، وأعيدت إلى جلادها بحكم قضائي، ثم وقف العالم كله يتفرج. كاميرا توثق، ومجتمع ينتظر، ولا يد تمتد. لأن المنطق الذي يربون عليه يقول: مصيرها محسوم، وأن ما يسترها غير زوجها ولا يوجد سوى قبرها بعد بيت زوجها. وصوتها إن ارتفع فضيحة، وسقوطها إن حدث عبرة. في هذا المجتمع، الجلاد يجد له ألف عذر، والضحية لا تجد لها قبراً يستر عورتها. إنه مجتمع عقيم حقاً، لأنه لا ينتج إلا المزيد من الجلادين والمزيد من الضحايا. الولد الذي يتربى على أن الرجولة بطش وسيطرة، يصير زوجاً يضرب، ثم أباً يزوج بناته غصباً، ثم قاضياً يرى في حكمه على امرأة هاربة من العنف تطبيقاً للعدالة. والبنت التي تتربى على أن الأنوثة طاعة وصمت، تصير زوجة تخضع للضرب، ثم أماً تدفع بناتها إلى المصير نفسه، لأنها لا تعرف غيره، ولأن المجتمع علمها أن هذا هو “الستر”، وأن ما عدا ذلك “عار”. وهكذا تدور الدائرة، ويدفع الثمن جيل بعد جيل، وتسقط الأماني من السطوح، وتضج وسائل التواصل، ثم يطوي النسيان كل شيء، لنبدأ من جديد مع أماني أخرى، وسطح آخر، وكاميرا أخرى. أماني لم تمت وحدها. مات معها شيء فينا. ماتت فكرة أن المجتمع بخير. مات الوهم بأننا نستطيع أن نستمر هكذا دون أن ندفع الثمن. في كل مرة تسقط أماني، يسقط معها ضمير أمة، وتسقط معها فكرة أن الصمت يحمي، وأن الستر ينجي، وأن العادات والتقاليد فوق كرامة الإنسان. ما يحدث ليس قدراً، بل نتيجة حتمية لمجتمع يربي الذئاب والخراف معاً، ثم يتعجب حين تفترس الذئاب الخراف. مجتمع يقدس القوة، ويزدري الرحمة، ويمنح الجلاد شرعية الأب والقاضي والزوج، ثم يقف مشدوهاً حين يجد أن ضحاياه يفضلون الموت على الحياة التي منحهم إياها. إن لم نغير الطريقة التي نربي بها أبناءنا وبناتنا، فغداً سنقف على سطح آخر، نصور أماني جديدة، ونكتب عنها تدوينة جديدة، ونذرف دمعة جديدة، ثم نمضي. سنظل ندور في هذه الحلقة المفرغة حتى نعترف أن المشكلة ليست في أماني التي قفزت، بل فينا نحن الذين دفعناها إلى الحافة. المشكلة في ذلك الأب الذي لم يرَ في صرختها استغاثة بل تمرداً. في ذلك الزوج الذي رأى في ضربها حقاً. في ذلك القاضي الذي رأى في حكمه عدلاً. في تلك الكاميرا التي رأت في سقوطها مشهداً. في هذا المجتمع الذي يرى في كل ذلك “عاداتنا وتقاليدنا”، وينسى أن إنسانيته هي أول ما يسقط من على السطح. لن تعود أماني، لكن يمكن أن تعود إنسانيتنا، إن أردنا. يمكن أن نربي جيلاً جديداً يعرف أن الرجولة عدل ورحمة، لا سيطرة وبطش. أن الأنوثة كرامة وقوة، لا خضوع وصمت. أن القانون حماية للضعيف، لا سوط على المقهور. أن الصمت على الظلم مشاركة فيه، وأن التفرج على المأساة جريمة. يمكن أن نفعل ذلك، لكن السؤال الذي يبقى معلقاً فوق كل سطح، وأمام كل كاميرا، وفي قلب كل أماني: هل نريد حقاً أن نفعل؟
لعمرك ماصاقت بلادٌ بأهلها ولكن اخلاق الرجال تضيع
القوامة مسؤولية لا تسلط






